خليل الصفدي
4
أعيان العصر وأعوان النصر
قال به من استحباب الوضوء من الغيبة وعند الغضب ، أو القفّال لما فتح له من الفقه باب ، ولرجع من أول الأمر إلى الاعتدال عن الاعتزال وتاب ، أو الروياني لما عبّر له رؤيا ، ورأى أن بحره قد صار وشلا واستحيا : ( البسيط ) كم مقفل ضلّ فيه العقل فانفرجت * أرجاؤه لحجاه عن معانيه يفتي فيروي غليل الدّين من حصر * أدناه نقلا وقد شطّت مراميه ومونق قد سقاه غيث فطنته * مزنا أيادي رياح الفكر تمريه وأما الأصول فلو رآه ابن فورك « 1 » لفرك عن طريقته ، وقال بعدم المجاز إلى حقيقته ، وإمام الحرمين لتأخر عن مقامه ، ورأى الرجوع عن الإرشاد من كلامه ، وأما النحو فلو عاصره عنبسة الفيل « 2 » لكان مثل ابن عصفور ، أو أبو الأسود لكان ظالما وذنبه غير مغفور ، وأما الأدب فلو رآه الجاحظ لأمسى لهذا الفن وهو جاحد ، أو الثعالبي لراغ عن تصانيفه وما اعترف منها بواحد . وأما الطب فلو شاهده ابن سينا لما أطرب قانونه ، أو ابن النفيس لعاد نفيسا قد ذهب نونه ، وأما الشعر فلو جاراه ابن سناء الملك فنيت ذخيرة مجاراته وحقائقه ، أو ابن الساعاتي ما وصل إلى درجه وانتهى إلى دقائقه . وأما الموشّحات فلو وصل خبره إلى الموصلي لأصبح مقطوع الذّنب ، أو ابن زهر لما رأى له في السماء نجما إلا هوى ، ولا برجا إلا انقلب ، وأما البلاليق فابن كلفة عنده يتكلّف ، وابن مدغليس يغلس للسعي في ركابه وما يتخلّف ، هذا إلى غير ذلك من معارف ، وفنون كان لحواصلها عنده مصارف . وكان - رحمه اللّه تعالى - محظوظا ، وبعين المحبة ملحوظا ، قلّ أن وقع بينه وبين أحد ، وما عاد له وليا ، وأصبح لمسامرته نجيا ، وقع بينه وبين الأعسر ، وكان إذا رآه ينسر ، ووقع بينه وبين الأفرم ، ثم أصبح عنده وهو الأعز الأكرم ، وغضب السلطان الملك الناصر محمّد عليه غضبا لا يقوم له غير سفك دمه ، ثم أصبح عند رؤيته وهو لا يمشي إلا على قدمه . ولم يزل على حاله إلى أن رحل ابن المرحّل إلى دار القرار ، وأصبح سيف لسانه وهو مفلول الغرار ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في بكرة نهار الأربعاء الرابع عشر من ذي الحجة
--> ( 1 ) ابن فورك هو : أحمد بن موسى بن مردويه المتوفى في سنة 410 ه . ( انظر : سير أعلام النبلاء : 17 / 308 ) . ( 2 ) من أوائل النحويين ، وهو من تلاميذ أبي الأسود . ( انظر : البغية : 2 / 233 ) .